د. عبدالعظيم محمود حنفي
الحكومة الإسرائيلية تعرف جيداً أنه لايمكن التوصل إلى اتفاق سلام مع سورية من دون التنازل عن الجولان
مواجهة إعلامية مثيرة جرت عن بعد بين الرئيس الأسد ووزير خارجيته وليد المعلم من جهة وليبرمان وزير الخارجية الإسرائيلي من جهة اخرى. قال المعلم للصحافيين في دمشق "لا تختبروا ايها الاسرائيليون عزيمة سورية. تعلمون ان الحرب في هذا الوقت سوف تنتقل الى مدنكم. عودوا الى رشدكم واسلكوا طريق السلام". "وانا اقول لهم كفى لعب دور الزعران "البلطجية"".
في حين قال الرئيس السوري, بشار الأسد, لوزير الخارجية الأسباني, ميغيل أنخيل موراتينوس إن إسرائيل "غير جادة في تحقيق السلام لأن كل الوقائع تشير إلى أنها تدفع المنطقة باتجاه الحرب." و رد عليه ليبرمان ,في كلمة بجامعة بارلان في تل أبيب مخاطبا القيادة السورية "رسالتنا إلى الأسد يجب أن تكون واضحة.. لن تخسر فقط الحرب المقبلة.. (لكن) أنت وعائلتك ستخسرون السلطة. ما يطرح التساؤل هل الدولتان على اعتاب حرب ام سلام .
واقع الامر ان تلك التصريحات النارية تعكس المأزق الذي يعيشه الطرفان . سورية منزعجة للغاية من توقف مباحثات السلام غير المباشرة بواسطة تركيا بعد ان كان الطرفان على وشكل توقيع اتفاقية للسلام بينهما بعد توقفها بمناسبة الغزوالاسرائيلي لغزة في ديسمبر 2008.ثم انتهت أية فرص حقيقية مع وصول حكومة اسرائيلية ترفض إعادة الجولان وترفض الوساطة التركية وكانت مصادر صحافية ذكرت آنذاك- أن سورية وإسرائيل توصلتا لمذكرة تفاهم بشأن مرتفعات الجولان وذلك في أعقاب سلسلة من المحادثات السرية أجراها مسؤولون من الدولتين.
ووفقاً للتقارير, فقد وافقت إسرائيل على الانسحاب من الجولان إلى حدود بحيرة طبرية, على أن تحتفظ بالسيطرة على مياه البحيرة وحوض نهر الأردن, وإقامة متنزه كبير المساحة بحيث يغطي أجزاء واسعة من مرتفعات الجولان بإدارة سورية, بالإضافة إلى جعل منطقة الحدود خالية من الأسلة بنسبة 1.4 لمصلحة الإسرائيليين. الا أن الحكومة الاسرائيلية السابقة كانت تتردد فى إجراء مباحثات مع السوريين لإتمام هذا الاتفاق رغم حصولهم على ما كانوا يطالبون به فإذا كان هو الحال مع حكومة معتدلة نسبيا فما بالك بحكومة إجرامية تعشق الحرب وتراه السبيل الوحيد للحمة الدولة العبرية . ويجب على الحكومة البعثية ان تدرك أن سياسة حكومة إسرائيل هي أنه من دون عنف لا يمكن حض إسرائيل للتوصل إلى اتفاقية سلام معها. فالحكومة الإسرائيلية تعرف جيدًا إنه لا يمكن التوصل إلى اتفاقية سلام مع سورية من دون التنازل عن هضبة الجولان وهي غير مستعدة لدفع هذا الثمن في غياب الضغط الحقيقي على إسرائيل للقيام بهذا التنازل, لأن الوضع في الحدود الشمالية هادئ تماما ,وعلى عكس ما يتردد . فإن واشنطن لم تبذل مايكفي من الجهد لمعرفة ما اذا كانت مفاوضات جديدة مع سورية يمكن ان تكون مثمرة .ان تردد الإدارة الأميركية ينبع من عوامل عدة , منها عدم رضا أميركي من السلوك السوري لمجمل قضايا عدة في المنطقة, بالاضافة الى أن تاريخ المفاوضات السابقة على المسار السوري في عملية السلام لا يوحي بالثقة , وانه من غير المؤكد , الى حد كبير , فيما اذا كانت اسرائيل مستعدة حقا لتقديم التنازلات اللازمة لتحقيق نتائج سريعة وناجحة هذه المرة , لكن حتى لو كان هؤلاء محقين , فانهم في الحقيقة يقللون من قدر البراغماتية التي توجه سياسات الأسد , ومدى الورطة الستراتيجية التي تجد دمشق نفسها فيها اليوم , مادام الأسد يعرف بأن التراجع نحو المواقف الصدامية لن يفلح , الا فى دفعه نحو موقف اصعب من مواصلة التحرك الى الامام , فإن الدوافع الحقيقية له لا تقود شيئا مهما , فالمهم هو انه قد توصل لنتيجة مفادها ان التقدم في مفاوضات اميركية واسرائيلية , وليس الصدام , في مصلحته . فسورية الان ناضجة للتواصل معها , وهذه نتيجة يمكن التوصل اليها عبر مراجعة مسيرة التراجع المتواصل للموقف الستراتيجى السوري في السنوات الأخيرة .ولكن الواقع ينبئنا ان العقبة الاكبر امام استئناف المحادثات بين سورية واسرائيل توجد على الجانب الاسرائيلي .
الجيش الاسرائيلي لايعتبر سورية تهديدا عسكريا خطيرا لاسرائيل .,سيما ان البعض في إسرائيل يردد أن قادة الدولة العبرية فوتوا فرصا كانت سانحة لإملاء سلام على المقاس الاسرائيلي ولكنهم ضيعوها يقولون على سبيل المثال في "العام 2003 عندما شعر بشار الأسد بالخوف لدى بداية الغزو الأميركي للعراق أرسل شقيقه (ماهر الأسد) لإجراء محادثات سرية مع الإسرائيليين في الأردن , بمن فيهم ايتان بن تسور, مدير مكتب وزارة الخارجية الأسبق , وكان يمكن في ذلك الوقت إتمام صفقة سياسية مع سورية, بثمن معقول, وكان يمكن وقتها الإبقاء على خط التماس مع شمال المنطقة في أيدي اسرائيل . وان الأسد كان مستعدا للقدوم الى القدس (وأنه طلب ضمانة 20 مليون دولار). وان شارون لم يُرد أن يسمع ذلك. ونتيجة لشعوره بالفخر الأميركي المتصاعد آنذاك, فضل أن يتجاهل الموضوع. مثل هذه التقارير الاسرائيلية او ربما هذه الأحاديث..تعكس المنطق الاسرائيلي من عدم إعادة هضبة الجولان الذي يقول إنها ليست معنية مطلقا بإعادة هضبة الجولان. فلماذا تكون معنية بذلك? ليست هناك أي حرب. هناك هدوء تام. فلماذا تعيد أي شيء لهم?.
ثمة تصريحات اسرائيلية لا تنقطع في نفس الوقت عن الرغبة في عقد سلام مع سورية ليبرمان يهدد بالحرب ورئيس وزرائه يردد انشودة السلام . كل هذه الأقوال الإسرائيلية المتناقضة بين الحرب و التباكي على فرص للسلام ضائعة هي من قبيل توزيع للأدوار إما لشن حرب أعصاب ضد النظام السوري والهاء الرأي العام الاسرائلي وإما للتحضير لعملية عسكرية محدودة ضد سورية والحجة موجودة وهي أن سورية أمدت حزب الله اللبناني بالأسلحة بعد الحرب لكن العملية العسكرية لن تكون شاملة لأنه لا إسرائيل ولا الولايات المتحدة تريدان حقا إسقاط النظام السوري .
|